نقاط مهمة لدراسة مادة القانون الدستوري
القانون الدستوري حسب المعيار الشكلي: هو مجموعة القواعد التي تتضمنها الوثيقة الدستورية، فكل ما تحتوي هذه الوثيقة من قواعد تعتبر قواعد دستورية، وكل قاعدة لا تتضمنها وثيقة الدستور لا تعتبر دستورية.
مزايا المعيار الشكلي: يمتاز بالوضوح والتحديد، ويمثل الأساس الذي قامت عليه فكرة جمود الدستور وسموّه على القوانين العادية، لأن وضع الدستور وتعديله يتطلّب شروطاً وإجراءات خاصة تختلف عن القوانين العادية مما يستتبع سموّ قواعد الدستور على التشريعات العادية وعدم استطاعة المشرّع العادي الخروج على نصوص الدستور وأحكامه.
عيوب المعيار الشكلي:
1. إن الأخذ بهذا المعيار يؤدي إلى إنكار وجود دستور في دول الدساتير العرفية غير المدوّنة كبريطانيا.
2. لا يعطي هذا المعيار تعريفاً دقيقاً وشاملاً للقانون الدستوري.
3. يؤدي الأخذ بالمعيار الشكلي إلى إدخال موضوعات غير دستورية في صلب القانون الدستوري، لأن الدساتير قد تتضمّن مسائل غير دستورية ترد في الدستور للتأكيد على أهميتها مثل تحريم إنتاج الخمور في الدستور الأمريكي.
4. هناك مسائل ذات طبيعة دستورية ولها اتصال وثيق بالقانون الدستوري، ولكنها موجودة في قوانين عادية، والأخذ بالمعيار الشكلي يؤدي إلى اعتبار هذه المسائل خارجة عن إطار القانون الدستوري رغم ارتباطها الوثيق بالحياة الدستورية والسياسية، كقوانين الأحزاب وقوانين الانتخابات.
5. يؤدي الأخذ بهذا المعيار إلى إغفال الأعراف والتقاليد الدستورية وإهمال المؤسّسات غير الرسمية وتأثيرها في الحياة السياسية.
القانون الدستوري حسب المعيار الموضوعي:
يأخذ معظم فقهاء القانون الدستوري بالمعيار الموضوعي، لأن موضوع الدولة أحد الموضوعات الأساسية التي يتضمنها القانون الدستوري، والذي يتضمّن القواعد التي تتضمّن طبيعة الدولة – نوعها- ونوع الحكومة فيها، كما تحدّد المبادئ الأساسية التي تنظم السلطات العامة للدولة واختصاصاتها والعلاقات بينها.
--------------------------
المصادر الرسمية للقانون الدستوري: التشريع الدستوري والعرف الدستوري
التشريع الدستوري:
أولاً: الوثيقة الدستورية: المصدر الرئيسي للقواعد الدستورية في دول الدساتير المدوّنة بما تتضمنه من مبادئ وأحكام أساسية تتعلق بتنظيم السلطات العامة، وتوضع الوثيقة من قبل هيئة خاصة يطلق عليها السلطة التأسيسية.
السلطة التأسيسية الأصلية: تقوم بوضع دستور لدولة لا يوجد فيها دستور أصلاً، أو لم يعد فيها دستور، وبالتالي فهي سلطة أصلية لأنها لا تستند في عملها إلى نصوص وأحكام دستور سابق على وجودها وهي تتمتع بصلاحيات مطلقة في هذا المجال.
تظهر الحاجة إلى السلطة التأسيسية في حالتين: الحالة الأولى: قيام دولة جديدة فتقوم هذه السلطة بوضع أول دستور جديد للدولة.
الحالة الثانية: قيام ثورة أو انقلاب في دولة من الدول حيث يتم إلغاء الدستور القائم، ووضع دستور جديد يعبّر عن اتجاه الثورة.
السلطة التأسيسية المنشأة "سلطة التعديل": تستند في إنشائها إلى دستور قائم ونافذ يحدّد كيفية تشكيلها وممارستها لمهمتها، كما تلتزم بالنطاق الذي حدده الدستور وبما نص عليه من إجراءات.
ثانياً: القوانين الأساسية:
مجموعة القوانين التي تصدر عن السلطة التشريعية، وتتعلق بتنظيم السلطات العامة في الدولة واختصاصاتها، أي أنها تتصل بموضوعات دستورية بطبيعتها كقانون الانتخابات.
وتختلف المرتبة التي تحتلها القوانين الأساسية في دول الدساتير المرنة عنها في دول الدساتير الجامدة.
مرتبة القوانين الأساسية في دول الدساتير المرنة:
الدستور المرن هو الدستور الذي يمكن تعديله من قبل السلطة التشريعية نفسها، التي تسنّ القوانين العادية وفق الإجراءات نفسها المتبعة في تعديل القوانين العادية، وقد تتضمن أحكاماً مناقضة لأحكام الوثيقة الدستورية. لذا فإن القوانين الأساسية تحتل في الدول ذات الدساتير المرنة ذات مرتبة الوثيقة الدستورية.
مرتبة القوانين الأساسية في دول الدساتير الجامدة:
يتم تعديل الدستور الجامد وفق شروط وإجراءات خاصة يحددها في أحكامه وتختلف عن إجراءات تعديل القوانين العادية. وبهذا فإن القوانين الأساسية التي تصدر عن السلطة التشريعية لا يجوز أن تتضمن أحكاماً مخالفة للأحكام الواردة في الوثيقة الدستورية. والقاعدة العامة السائدة في دول الدساتير الجامدة، هي أن القوانين الأساسية تحتل نفس مرتبة القوانين العادية.
----------------------
العرف الدستوري:
التمييز بين العرف الدستوري والدستور العرفي:
العرف الدستوري: هو جميع القواعد الدستورية التي نشأت عرفياً عن طريق العادات والسوابق في ظل دستور مكتوب، ثم استقرت في ضمير الجماعة كقواعد ملزمة واجبة الاحترام والتطبيق.. أما الدستور العرفي فهو مجموعة القواعد الدستورية المنظمة للسلطات العامة في الدولة والتي لم تدوّن بعد في وثيقة دستورية رسمية.
تعريف العرف الدستوري: قاعدة مطردة أو عادة معينة درجت عليها الهيئات الحاكمة في الشؤون المتصلة بنظام الحكم في الدولة، بحيث يقوم في ضمير الجماعة الإحساس بوجوب احترام هذه العادة وأنها أصبحت قاعدة قانونية ملزمة.
الركن المادي للعرف الدستوري: ويقصد به السير على نهج معين من قبل إحدى السلطات الحاكمة في الدولة بصفة مطردة وثابتة وواضحة بشأن مسألة دستورية معينة، شريطة التزام جميع السلطات الحاكمة في الدولة بهذا النهج وموافقتها عليه.
ويشترط لتحقق الركن المادي عدة شروط:
1. التكرار: تشترط أغلبية الفقه الدستوري تكرار العادة حتى يتوافر الركن المادي للعرف الدستوري، فيما يذهب آخرون للاكتفاء بحدوث التصرف مرة واحدة.
2. العمومية: يقصد بالعمومية التزام جميع السلطات الحاكمة في الدولة دون اعتراض بالتصرف الصادر عن إحدى السلطات العامة.
3. الوضوح: يجب أن تكون العادة التي درجت عليها السلطة واضحة تماماً، وألا تكون قابلة لعدة تفسيرات وغير مخالفة للدستور.
4. الثبات وعدم الانقطاع: ينبغي أن يتكرر التصرف المكوّن لركن الاعتياد بشكل ثابت ومطرد دون انقطاع.
الركن المعنوي للعرف الدستوري: وهو أن تتوفر صفة الإلزام لهذه العادة، وأن يتولّد لدى الجماعة "السلطة والأفراد" شعور بأن هذه العادة قد أصبحت قاعدة قانونية واجبة الإتباع وملزمة للجميع كبقية القواعد القانونية الأخرى النافذة في الدولة.
أنواع العرف الدستوري:
1. العرف المفسّر: يقتصر دور هذا النوع من العرف الدستوري على تفسير ما قد يكون غامضاً من نصوص الدستور، أي أنه لا ينشئ قاعدة دستورية جديدة، وإنما يتحدد دوره في بيان كيفية تطبيق ما تتضمنه النصوص الدستورية من أحكام.
ويتفق معظم فقهاء القانون الدستوري على إعطاء العرف المفسر القيمة القانونية نفسها التي تحوزها النصوص الدستورية، لأنه يصبح جزءاً من هذه النصوص ما دام لا يتضمن مخالفة لنص دستوري أو ينطوي على تعديل لأحكامه.
2. العرف المكمل: هذا النوع من العرف الدستوري يقوم بإكمال النقص الذي قد يوجد في القواعد الدستورية، وبالتالي فإنه ينشئ أحكاماً دستورية جديدة.. ولتحديد قيمته القانونية يوجد ثلاثة اتجاهات:
1. ذهب الاتجاه الأول إلى إعطائه قوة التشريعات العادية أي أن قيمته القانونية لا ترقى إلى قوة النصوص الدستورية.
2. الاتجاه الثاني يلحق هذا النوع من العرف بالعرف المفسّر، ويرى أنصار هذا الاتجاه أن للعرف المكمل القوة القانونية نفسها التي يحوزها العرف المفسر.
3. الاتجاه الثالث يميز بين حالتين: الأولى حالة اقتصار العرف المكمل على تحديد كيفية تطبيق أحكام الدستور حيث يماثل العرف المفسر ويأخذ أحكامه.. والثانية أن يقوم العرف المكمل بإنشاء قواعد دستورية جديدة لا تستند إلى نصوص الدستور، وهنا يعتبر عرفاً معدلاً ليس له قيمة قانونية.
3. العرف المعدل: يقوم بإجراء تعديل في نصوص الوثيقة الدستورية سواء بإضافة أحكام جديدة إليها أو بحذف بعض أحكامها.. وهو نوعان: العرف المعدل بإضافة والعرف المعدل بالحذف.. وقد اختلف فقهاء القانون حول مشروعيته وتحديد قيمته القانونية إلى ثلاثة آراء:
1. عدم مشروعية العرف المعدل وعدم الإقرار له بأي قيمة قانونية لأنه يعتبر انتهاكاً للدستور.
2. يقرون بمشروعية هذا العرف المعدل على أساس أنه تعبير مباشر عن إرادة الأمة صاحبة السيادة.
3. يفرق الرأي الثالث بين العرف المعدل بالإضافة والعرف المعدل بالحذف، حيث يقر بمشروعية الأول ويعطيه القيمة القانونية نفسها لنصوص الدستور ولا يقر بمشروعية العرف المعدل بالحذف إطلاقاً.
-------------------
أنواع الدساتير
الدساتير المدونة والدساتير غير المدونة:
1.الدساتير المدونة: هي الدساتير التي تصدر جميع قواعدها وأحكامها أو على الأقل غالبيتها في شكل وثيقة أو عدة وثائق رسمية صادرة عن المشرّع الدستوري، إذ ليس من الضروري أن تكون جميع القواعد الدستورية مدونة حتى يكون الدستور مدوناً.
مزايا الدساتير المدونة:
1. وضوح النصوص المكتوبة وتحديد الأحكام التي تتضمنها بدقة، بعكس القوانين العرفية التي يكتنفها الغموض وعدم التحديد.
2. إن الدستور المدون يعتبر تجديداً للعقد الاجتماعي الذي نشأت الجماعة السياسية على أساسه، وتدوينه يعتبر وسيلة لتعميم التربية السياسية.
3. الدستور المدون يتجاوب بسرعة مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة.
4. يعتبر الدستور المدون ضمانة هامة ضد الحكم المطلق والاعتداء على حقوق المواطنين وحرياتهم.
عيوب الدساتير المدونة:
1. إن الدستور المدون يعاني من الجمود الذي تعاني منه جميع التشريعات المدونة.
2. ليس صحيحاً أن الدستور المدون يعد ضمانة ضد الحكم المطلق، لأن القواعد الدستورية لا تستمد قوتها الحقيقية من كونها مدونة أو غير مدونة، وإنما من الوعي السياسي للجماعة ومدى تمسكها بالقواعد الدستورية وحمايتها لها.
2. الدساتير غير المدوّنة: ويطلق عليها الدساتير العرفية لأن العرف هو مصدر قواعدها، ويعتبر الدستور البريطاني المثال التقليدي على الدساتير غير المدونة لأنه يستمد غالبية أحكامه من العرف وبعضها من القضاء.
امتيازات الدساتير العرفية:
1. مرونة الدستور العرفي وقابليته للتطور ومسايرة حاجات الحياة وضروراتها المتغيرة.
2. الدستور العرفي وليد المواءمة المستمرة بين الظروف السياسية والتاريخية وبين تطلعات الشعب وآماله.
-------------
الدساتير المرنة والدساتير الجامدة:
الدستور المرن: إمكانية تعديله بالطرق التشريعية وينجم عن ذلك مجموعة نتائج:
1. من الناحية القانونية: تأخذ الدساتير المرنة نفس القيمة القانونية التي تتمتع بها القوانين العادية.
2. تختفي كل تفرقة شكلية بين القواعد الدستورية المرنة والتشريعات العادية ولا يبقى إلا الاختلاف في الناحية الموضوعية فقط.
3. ينتج عن هذا الوضع تمتع السلطة التشريعية باختصاصات وسلطات واسعة في ظل الدستور المرن.
الدستور الجامد: يشترط اجتماع المجلسين التشريعيين في هيئة مؤتمر لإقرار التعديل عند الأخذ بنظام المجلسين، وقد يشترط موافقة أغلبية الشعب على التعديل المقترح عن طريق الاستفتاء الشعبي.
صور الجمود:
1. الجمود المطلق الجزئي أو الحظر الموضوعي: ويقصد به أن ينص الدستور على عدم جواز تعديل بعض مواده إطلاقاً وفي أي وقت من الأوقات.
2. الجمود المطلق المؤقت أو الحظر الزمني: ويعني حظر إجراء أي تعديل في الدستور خلال فترة زمنية معينة.
3. الجمود المطلق الكلي والدائم: وهو حظر إجراء أي تعديل في الدستور بصفة دائمة، ويوجد إجماع فقهي على بطلان هذا النوع من الجمود، وأن النص عليه في الدستور ليس له قيمة قانونية لأن الجمود المطلق الكلي يتنافى من الناحية السياسية مع سنة التطور.
يترتب على جمود الدستور بعض النتائج أبرزها:
1. التمييز بين السلطة التأسيسية والسلطة التشريعية والإقرار بتفوق الأولى على الثانية.
2. السمو الشكلي والموضوعي للدستور الجامد على القوانين العادية، مما يمنحه الاحترام والقداسة لدى الهيئات الحاكمة وأفراد الشعب على حد سواء.
-------------------
مواضيع الدستور ومحتواه:
الدستور يتضمن بشكل عام الموضوعات التالية:
1. الأسس الفلسفية والقانونية التي يقوم عليها الدستور وتدعى المبادئ الأساسية التي تحكم التنظيم الحكومي.
2. القواعد المتعلقة بالتنظيم الحكومي: السلطات العامة في الدولة واختصاصاتها.
أ. قواعد تقيّم مشروعية الحكام.
ب. قواعد تحدد اختصاصات الحكام.
ج. قواعد تبين حدود ممارسة هذه الاختصاصات.
3. الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية للدولة الهدف من إيرادها في الوثيقة الدستورية هو التأكيد على أهميتها.
4. إعلان حقوق الإنسان.
---------------
نشأة الدساتير: هناك نوعان ديمقراطية وغير ديمقراطية
الأساليب غير الديمقراطية لنشأة الدساتير "الملكية":
أ. المنحة: وتعود نشأة الدستور في هذه الحالة إلى الإرادة المنفردة للحاكم وأسلوب المنحة هو الممر الذي عبر عنه النظام الملكي من الملكية المطلقة إلى الملكية المقيدة.
إن صدور الدستور عن طريق المنحة يعتبر من الناحية القانونية وليد إرادة الحاكم المستقلة ما جعل بعض الفقهاء يعطون الحاكم كامل الحق في إلغاء الدستور أو سحبه، بذريعة أن "من يملك المنح يملك المنع" ولكن غالبية فقهاء القانون الدستوري اتجهت إلى القول بعدم أحقية الحاكم في سحب أو إلغاء الدستور الصادر عن طريق المنحة للأسباب التالية:
1. من الناحية التاريخية لم يتم صدور أي دستور بشكل منحة إلا خوفاً من ثورة الشعوب وتمردها.
2. إن إصدار الدستور من جانب الحاكم بطريقة المنحة وتحت ضغط الشعوب هو بمثابة استرداد لحقوق الشعب التي اغتصبها هذا الحاكم بطرق غير مشروعة، ولا يحق للحاكم الرجوع فيما منح لأن ذلك يعدّ اغتصاباً جديداً لهذه الحقوق.
3. إن الإرادة المنفردة تكون مصدراً للالتزامات إذا ما صادفت قبولاً لدى أصحاب الشأن، وهكذا فإن قبول الأمة للدستور المنحة يسلب الحاكم إمكانية سحبه أو إلغائه.
ب. العقد أو التعاقد: ويتم وضع الدستور عن طريق توافق إرادة الحاكم مع إرادة ممثلي الشعب على قبول الوثيقة الدستورية واحترامها، فيكون الدستور ولد نتيجة تلاقي هاتين الإرادتين مما يعني عدم أحقية أي من الطرفين الانفراد بإلغاء الدستور أو سحبه أو تعديله.
ينتقد بعض الفقهاء إطلاق صفة العقد على الدساتير الصادرة بهذا الأسلوب، لأنها من الناحية الواقعية لم تصدر نتيجة رضا وتوافق حقيقي لإرادتين إنما نتيجة ضغوط وثورات شعبية وبذلك يكون اشتراك الحاكم في التعاقد صورياً.
الأساليب الديمقراطية لنشأة الدساتير "السيادة الشعبية": هناك أسلوبان.
1. الجمعية التأسيسية: الدستور هو الذي ينشئ السلطات العامة للدولة بما فيها السلطة التشريعية، لذا لا يجوز أن تقوم هذه السلطة بوضع الدستور لأنها سلطة منشأة، حيث يقوم الشعب بانتخاب هيئة أو جمعية خاصة أعلى من السلطة التشريعية تأخذ السلطة التأسيسية وكالة خاصة من الشعب من أجل القيام بإعداد مشروع الدستور، والجمعية التأسيسية تتمتع بالسلطتين التأسيسية والتشريعية وتكون أقوى من السلطة التنفيذية.
2. الاستفتاء الشعبي الدستوري: ويقسم إلى: الاستفتاء الدستوري، والاستفتاء التشريعي، والاستفتاء السياسي.
الاستفتاء الدستوري: هو أن يعرض مشروع الدستور الذي تم إعداده من قبل لجنة تأسيسية منتخبة من الشعب على الشعب نفسه لمعرفة رأيه، ولا يكتمل وجوده قانوناً ولا يصبح نافذاً إلا بعد موافقة الشعب عليه.
ويفرق الفقه الدستوري بين الاستفتاء الدستوري والتصديق الشعبي: بأن التصديق الشعبي (الاستفتاء السياسي) هو أسلوب تنشأ به الدساتير في ظل أنظمة حكم تسمح للشعب ظاهرياً بالاشتراك في مباشرة السلطة التأسيسية من خلال إجراء استفتاء شعبي على مشروع الدستور، إلا أنها تحول واقعياً دون جعل هذه المشاركة الشعبية جدية.
-----------------------
تعديل الدستور:
السلطة المختصة بالتعديل: إذا كانت السلطة التأسيسية الأصلية هي التي تتولى وضع الدستور، فإن السلطة التأسيسية المنشأة هي المختصة بتعديل الدستور، وقد اختلف الفقهاء بشأن تحديد السلطة التي تملك الحق في تعديل الدستور، حيث ظهرت ثلاثة اتجاهات متباينة:
الاتجاه الأول: اعتبر حق التعديل ملكاً لجميع أفراد الشعب.. وينطلق هذا الاتجاه من فكرة فقهاء القانون الطبيعي القائلة بأن الدستور هو العقد الاجتماعي الذي أبرم بإجماع أعضاء الجماعة وموافقتهم عليه، ولذلك فإن تعديل هذا الدستور لا بد أن يقترن بموافقة مجموع الشعب على أساس أن هذا التعديل هو بمثابة تعديل لشروط العقد الاجتماعي.
الاتجاه الثاني: أعطى هذا الحق لممثلي الشعب.. ويرى أنصار هذا الاتجاه أن صلاحية تعديل الدستور تعود للشعب أو البرلمان لأن الأمة هي صاحبة السيادة ولها حق تعديل الدستور.
الاتجاه الثالث: إن الدستور ذاته هو الذي يحدد السلطة المختصة بتعديله.. وذهب غالبية الفقهاء إلى أن الدستور هو الذي يحدد السلطة المختصة بتعديله، ويعود هذا الرأي إلى الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو.
موقف الأنظمة الدستورية من تحديد السلطة المختصة بتعديل الدستور: توزعت الدساتير في تحديدها للجهة التي تمارس السلطة التأسيسية المنشأة بين ثلاثة اتجاهات: الأول حوّلها للسلطة التشريعية، والثاني أسندها لجمعية تأسيسية منتخبة من قبل الشعب، والثالث يعود بهذه السلطة إلى الشعب ذاته بواسطة الاستفتاء الشعبي.
أ. إسناد السلطة التأسيسية المنشأة للبرلمان: بعض الدساتير تشترط أغلبية خاصة تختلف عن الأغلبية المطلوبة لتعديل التشريعات العادية كالدستور اللبناني لعام 1926.. أو اجتماع البرلمان للتصويت على التعديل كدستور الجمهورية الفرنسية الثالثة عام 1875 .. أو حل البرلمان وانتخاب برلمان جديد كالدستور البلجيكي.
ب. منح السلطة التأسيسية المنشأة لجمعية تأسيسية: يجرى انتخابها من قبل الشعب لتولي مهمة تعديل الدستور كغالبية دساتير دول أمريكا اللاتينية.
ج. إسناد السلطة التأسيسية المنشأة للشعب: مثل دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة، حيث أعطت المادة (89 – 2) منه حق اقتراح التعديل لكل من رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان بمجلسيه ولا يصبح التعديل نافذاً إلا بموافقة الشعب عليه في استفتاء شعبي.
نطاق التعديل:
1. الحظر الموضوعي: تنص بعض الدساتير على تحريم تعديل بعض موادها أو أحكامها تحريماً مطلقاً، بهدف حماية الدعائم الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي كدساتير الكويت والجزائر والمغرب وفرنسا وتركيا واليونان وتونس وإيطاليا والبرازيل.
2. الحظر الزمني: تحظر بعض الدساتير إجراء أي تعديل في أحكامها خلال مدة زمنية محددة، بهدف إضفاء الثبات والاستقرار على نصوص الوثيقة الدستورية، ويجرى النص على هذا الحظر عادة في أعقاب إعلان استقلال الدولة أو عند إقامة نظام سياسي جديد.. ينص الدستور السوري النافذ لعام 1973 على عدم جواز تعديله قبل انقضاء ثمانية عشر شهراً على نفاذه.
3. حظر تعديل الدستور في ظروف معينة: في بعض الدساتير يحظر تعديل الدستور ويكون غير مشروع في الفترات التي تتعرض فيها الدولة لظروف استثنائية كالحرب أو الاحتلال، وعلة هذا الحظر هو أن إرادة الأمة قد تكون مقيدة ولا تستطيع التعبير عن إرادتها.
4. القيمة القانونية للنصوص التي تحظر تعديل الدستور:
1. الاتجاه الأول: يذهب إلى أن جميع النصوص الدستورية التي تحظر تعديل أحكام الدستور بصفة دائمة أو مؤقتة أو أثناء ظروف استثنائية ليس لها أية قيمة قانونية أو سياسية ولا تتمتع بأية قوة إلزامية، لأن هذا يتنافى مع مبدأ سيادة الأمة وحقها في تعديل دستورها متى تشاء.
2. الاتجاه الثاني: يرى أن النصوص الدستورية التي تحظر تعديل بعض أحكام الدستور بصفة دائمة، باطلة ومجردة من كل قيمة قانونية، أما النصوص التي تحظر تعديل الدستور خلال فترة زمنية محددة أو عند تعرض الدولة لظروف استثنائية فإنها مشروعة وتتمتع بالقوة القانونية الملزمة.
3. الاتجاه الثالث: يعتبر أن النصوص الدستورية التي تحظر تعديل الدستور خلال مدة زمنية محددة، أو التي تحظر تعديل بعض أحكامه بصفة دائمة تتمتع كبقية القواعد الدستورية الأخرى بالقوة القانونية الملزمة، إلا أنها قابلة للتعديل.
4. الاتجاه الرابع: يميّز في مشروعية الحظر بين الناحية القانونية والناحية السياسية، فهذا الحظر مشروع من الناحية القانونية وباطل من الناحية السياسية لأنه يتناقض مع مبدأ سيادة الشعب وحقه في تعديل أو إلغاء ما قرّره في أي وقت يشاء.
إجراءات تعديل الدستور:
1. اقتراح التعديل: تتباين الدساتير بشأن الجهة المختصة باقتراح التعديل، فبعضها أعطى حق اقتراح التعديل للسلطة التنفيذية، ومنها من خوّل هذه الصلاحية للسلطة التشريعية، ومنهم من خوّل السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومنهم من يمنح الشعب إلى جانب البرلمان حق اقتراح تعديل الدستور.
2. إقرار مبدأ التعديل: تمنح معظم الدساتير البرلمان صلاحية البت فيما إذا كان هناك ضرورة لإجراء تعديل الدستور، كما تشترط بعض الدساتير موافقة الشعب على مبدأ التعديل بالإضافة إلى موافقة البرلمان.
3. إعداد التعديل: تختلف الدساتير في أساليب إعداد التعديل، فبعضها تنص على انتخاب هيئة خاصة مهمتها إعداد اقتراح التعديل، وتسند بعض الدساتير إلى الحكومة مهمة وضع مشروع التعديل وإعداده، فيما غالبية الدساتير تمنح صلاحية إعداد التعديل للبرلمان ضمن شروط معينة منها:
أ. اجتماع مجلسي البرلمان في هيئة مؤتمر لإعداد مشروع التعديل.
ب. اشتراط حضور أغلبية خاصة لصحة انعقاد البرلمان، وأغلبية خاصة لصحة القرار الصادر عنها.
ج. اشتراط حل البرلمان وانتخاب برلمان جديد يتولى مهمة التعديل.
4. إقرار التعديل بصفة نهائية: تضع بعض الدساتير سلطة إقرار التعديل بصفة نهائية بيد الهيئة ذاتها التي قامت بمهمة إعداده، وتعطي بعض الدساتير هذه الصلاحية إلى الشعب عن طريق الاستفتاء الدستوري.
--------------
نهاية الدساتير: يعني الإلغاء الشامل الكلي لجميع نصوصه، وفق أسلوبين:
1. الأسلوب العادي أو القانوني لانتهاء الدساتير: ويقصد به إلغاء الدستور واستبداله بدستور جديد يتلاءم مع التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وهذا الانتهاء القانوني يختلف باختلاف الدستور إذا ما كان عرفياً أو مكتوباً.. فتعديل الدستور العرفي جزئياً أو إلغاؤه كلياً يتم إما عن طريق إنشاء قواعد عرفية جديدة مخالفة للأعراف الدستورية القائمة، أو بإصدار دستور مكتوب يلغي الدستور العرفي ويحل محله.. أما بالنسبة للدساتير المدونة المرنة فيتم تعديلها بالطريقة نفسها والإجراءات التي من خلالها يتم تعديل التشريعات العادية وإلغاؤها. أما بالنسبة للدستور الجامد فلا بد من انتخاب جمعية تأسيسية أصلية لوضع مشروع الدستور الجديد.
2. الأسلوب الثوري أو الفعلي لإنهاء الدساتير: يقصد به إلغاء الدستور وإيقاف العمل به في أعقاب اندلاع ثورة أو وقوع انقلاب، والانقلاب في جوهره هو صراع على السلطة، أما الثورة فهي حركة اجتماعية مفاجئة يقوم بها الشعب بهدف إحداث تغيير جذري في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
أ. الثورة الجزئية والثورة الشاملة: الثورة الجزئية تستهدف تغيير النظام السياسي فقط، والثورة الشاملة تتخطى ذلك إلى إحداث تغيير في النظام الاقتصادي والاجتماعي.
ب. حكومة الثورة أو الحكومة الواقعية: حكومة الثورة يُطلق عليها الحكومة الواقعية لأنها لا تستمد سلطتها من الدستور وإنما من الواقع الذي تمخضت عنه، وتتميّز بخاصتين:
1. أنها حكومة مؤقتة وانتقالية، لأنها تتولى السلطة لترسيخ أقدام الثورة والانتقال بالبلاد إلى النظام الجديد.
2. أنها حكومة تركيز للسلطات لأنها تجمع في يدها السلطتين التشريعية والتنفيذية.
ج. النتائج القانونية للثورة:
1. أثر الثورة على الدستور: انقسم الفقه الدستوري إلى ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: يذهب إلى أن الدستور القائم يسقط بصفة تلقائية فور نجاح الثورة ودون حاجة إلى إصدار أي تشريع خاص ينصّ على هذه الإلغاء، لأن الغاية من الثورة القضاء على نظام الحكم القائم في ظل الدستور القديم.
الاتجاه الثاني: يرى أن نجاح الثورة لا يؤدي إلى سقوط الدستور تلقائياً، إذ قد يكون الهدف من الثورة المحافظة على الدستور وحمايته من عبث الحكام، لذا لا بد من صدور قرار رسمي عن قيادة الثورة أو الحكومة المؤقتة بإلغاء الدستور القديم إذا كانت تريد إلغاءه.
الاتجاه الثالث: يذهب إلى أن سقوط الدستور من عدمه يتوقف على طبيعة الأهداف التي قامت الثورة من أجل تحقيقها.
ولكن إذا سقط الدستور القائم بعد نجاح الثورة.. فهل تسقط جميع نصوصه أم أن هناك نصوصاً لا تسقط بسقوط الثورة؟
يرى الفقه الدستوري أن النصوص الدستورية التي تسقط هي النصوص الموضوعية المتعلقة بنظام الحكم الذي قامت الثورة ضده، أما النصوص المتعلقة بأمور ليس لها صفة دستورية فإنها لا تسقط بسقوط الدستور، وإنما تبقى نافذة كقوانين عادية بعد نزع الصفة الدستورية عنها.. وتسمّى هذه العملية "نظرية سحب الصفة الدستورية" والتي تعرضت لعدة انتقادات:
1. تصعب التفرقة بين النصوص ذات الطبيعة الدستورية وتلك ذات الطبيعة غير الدستورية.
2. إن هذه النظرية لم تميز بين حالة سقوط الدولة بطريقة تلقائية، وحالة الإعلان الصريح عن سقوطها، والحقيقية أن هذا الانتقاد ليس له أية قيمة قانونية.
2. أثر الثورة على النصوص الدستورية الخاصة بحقوق الأفراد وحرياتهم: يذهب معظم الفقهاء إلى أن سقوط الدستور بعد نجاح الثورة لا يؤثر على النصوص المتعلقة بحقوق الأفراد وحرياتهم للأسباب التالية:
1. لقد تمّ تكريس هذه الحقوق والحريات في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهذه الوثائق الدولية هي أسمى من دساتير الدول وقوانينها.
2. إن الحقوق والحريات الفردية تشكل ما يسمّى "الدستور الاجتماعي للأمة" الذي لا يتغيّر بتغير النظام السياسي في الدولة.
3. إن حقوق الأفراد وحرياتهم قد استقرت في الضمير الإنساني وأصبحت أسمى من النصوص الوضعية.
3. أثر الثورة على القوانين العادية: لا يؤثر نجاح الثورة على التشريعات العادية كالقانون المدني والجنائي بحيث تبقى نافذة إلى أن يتم إلغاؤها بالطرق العادية لإلغاء القوانين، ويعود السبب في ذلك إلى أن هذه التشريعات لا تتعلق بالنظام السياسي للدولة.
---------------------------
مبدأ سمو الدستور: يقصد بمبدأ سمو الدستور علو القواعد الدستورية وسيادتها على سائر القواعد القانونية الأخرى في الدولة.
السمو الموضوعي للدستور:
أولاً- مظاهر السمو الموضوعي للدستور: يتجلى السمو الموضوعي في مظهرين:
1. القواعد الدستورية: هي التي تحدّد طبيعة نظام الحكم في الدولة وتنشئ السلطات العامة فيها، بالإضافة إلى تحديد الأساس الفكري والفلسفي الذي ينهض عليه نظام الحكم في الدولة.
2. الدستور: هو الأصل والمصدر لكل نشاط قانوني في الدولة، فهو الذي يضع الإطار القانوني العام لجميع أوجه النشاط القانوني في الدولة، وذلك من خلال الاتجاهات السياسية والاجتماعية التي يجب أن تعمل في نطاقها النشاطات المختلفة في الدولة.
ثانياً- النتائج المترتبة على السمو الموضوعي للدستور:
1. تدعيم مبدأ المشروعية: إن مبدأ سمو الدستور يدعم ويقوي مشروعية خضوع الحكام والمحكومين، لأنه يتطلب خضوع الحكام والمحكومين لقواعده من جهة، وخضوع كافة التشريعات واللوائح والقرارات النافذة في الدولة لأحكامه من جهة أخرى.
2. حظر التفويض في الاختصاص: الدستور يحدد اختصاصات كل سلطة من السلطات العامة والهيئات الحاكمة على وجه التحديد، لذا لا يجوز لأي سلطة أن تتصرف فيما منحها إياه الدستور من اختصاصات بالتفويض إلا إذا تضمن الدستور نصاً صريحاً يجيز هذا التفويض وبغير ذلك يعتبر التفويض خرقاً لأحكام الدستور.
السمو الشكلي للدستور:
أولاً- مفهوم السمو الشكلي: ويقصد به وجوب إتباع إجراءات خاصة أشد وأكثر تعقيداً من الإجراءات المتبعة في تعديل القوانين العادية، وهذا لا يتحقق إلا في ظل الدساتير المدونة الجامدة، باعتبار أن الدساتير العرفية والمدونة المرنة لا تتمتع إلا بالسمو الموضوعي.
ثانياً- النتائج المترتبة على السمو الشكلي للدستور:
1. التفرقة بين القواعد الدستورية والقوانين العادية: القواعد الدستورية "القوانين الأساسية" تعتبر أساس جميع السلطات العامة في الدولة وهي أسمى وأعلى من القوانين العادية.
والاختلاف بين القواعد الدستورية والقوانين العادية هو اختلاف من حيث الموضوع ومن حيث الشكل.
من حيث الموضوع: يحدّد الدستور نظام الحكم في الدولة، وتشكيل السلطات العامة واختصاصاتها، أما القوانين العادية فتعالج موضوعات أقل أهمية كالقانون المدني.
من حيث الشكل: الدستور الجامد لا يعدل إلا وفق إجراءات خاصة تختلف عن الإجراءات التي يتم إتباعها في القوانين العادية.
2. النتائج المترتبة على التفرقة بين القواعد الدستورية والقوانين العادية:
1. الثبات النسبي للقواعد الدستورية قياساً بالقوانين العادية.
2. عدم جواز تعديل القواعد الدستورية أو إلغائها إلا بقواعد دستورية أخرى.
3. عدم جواز تعارض القوانين العادية مع القواعد الدستورية.
-------------------
الرقابة على دستورية القوانين:
أولاً- الرقابة السياسية على دستورية القوانين:
1. معنى الرقابة السياسية: هي رقابة وقائية تتم ممارستها من قبل هيئة سياسية، وتهدف إلى منع صدور القانون المخالف للدستور، فهي سياسية لأنها تعهد عملية الرقابة الدستورية إلى هيئة سياسية، وهي وقائية لأنها تهدف إلى الحيلولة دون إصدار القوانين غير الدستورية، وسابقة لأنها تمارس على القوانين قبل إصدارها.
2. نشوء وتطور الرقابة السياسية وأهم تطبيقاتها: ترجع هذه الفكرة إلى الثورة الفرنسية وقد استمرت فرنسا في تطبيقها حتى الآن.
3. تقدير الرقابة السياسية: تعرضت لعدة انتقادات يمكن إيجازها بما يلي:
أ. يغلب الطابع السياسي على تكوين المجلس الدستوري.
ب. إذا كانت رقابة دستورية القوانين تهدف إلى وضع حدّ للنزوات والأهواء السياسية ومنع السلطة التشريعية من الاستبداد والتسلط، فإن إسناد مهمة الرقابة إلى هيئة ذات طابع سياسي قد يؤدي إلى تسلط واستبداد هذه الهيئة الرقابية.
ج. المجلس الدستوري لا يمارس اختصاصه في الرقابة إلا أذا تحركت تلك الرقابة من بعض الهيئات العامة السياسية مثل رئيس الجمهورية، وهذا يؤدي إلى شل اختصاص المجلس في ممارسة الرقابة في حال تقاعس تلك الهيئات.
د. يؤدي حرمان الأفراد من حق تحريك الرقابة إلى حرمانهم من وسيلة هامة لضمان احترام حقوقهم وحرياتهم الدستورية.
ثانياً- الرقابة القضائية على دستورية القوانين: يقصد بالرقابة القضائية وجود هيئة قضائية تتولى مهمة الرقابة على دستورية القوانين، وهناك أسلوبان لهذه الرقابة:
1. رقابة الإلغاء: يقصد برقابة الإلغاء إقامة دعوى مباشرة أمام القضاء المختص بالرقابة الدستورية ينظر بطلب إلغاء أو بطلان قانون مخالف لأحكام الدستور، وقد تكون رقابة وقائية سابقة أو لاحقة وتسند إلى المحكمة العليا أو لمحكمة دستورية مختصة.
مزاياها: تقوم بتحديد جهة قضائية معينة، ما يحافظ على وحدة النظام القضائي ويحقق الاستقرار في المعاملات القانونية ويمنع تناقض أحكام المحاكم.
عيوبها: يعدّها البعض انتهاكاً لمبدأ فصل السلطات، لأن منح القضاء الحق في إلغاء القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية يشكل خروجاً عن مهمة القضاء وتدخلاً في عمل المشرّع.
2. رقابة الامتناع: يقصد بها امتناع القاضي عن تطبيق القانون غير الدستوري على قضية معروضة أمامه، وهي رقابة لاحقة لدعوى منظورة أمام القضاء.
مزاياها: لا تشكل خرقاً لمبدأ فصل السلطات، تثبت لجميع المحاكم ولا تحتاج لنص دستوري يسمح بها، تمتاز بالبساطة والمرونة، كما يجوز تقديم الدفع في أي وقت.
عيوبها: تعطي الحق لجميع المحاكم في ممارسة الرقابة الدستورية، ما يؤدي إلى صدور أحكام متناقضة ويعقّد النظام القضائي ويخلق حالة فوضى في المعاملات القانونية.
3. رقابة الامتناع المقترنة بالإلغاء: وتجيز الطعن في دستورية القوانين وأمام مختلف المحاكم أثناء نظرها في دعوى مرفوعة أمامها.
مقارنة بين رقابة الإلغاء ورقابة الامتناع:
1. تتم رقابة الإلغاء عن طريق الطعن بالقانون بدعوى مبتدأة يعني أنها وسيلة هجومية، في حين أن رقابة الامتناع وسيلة دفاعية.
2. تختص محكمة واحدة للنظر في دستورية القوانين بطريقة الإلغاء، بينما تختص جميع المحاكم باختلاف أنواعها ودرجاتها بالنظر في رقابة الامتناع.
3. تفترض رقابة الإلغاء نصاً دستورياً ينظمها، بينما لا تحتاج رقابة الامتناع لمثل هذا النص.
4. في رقابة الإلغاء تقضي المحكمة بإلغاء القانون غير الدستوري، أما في رقابة الامتناع فيقتصر حكم المحكمة على الامتناع عن تطبيق ذلك القانون.
5. يكون لحكم الإلغاء في الدعوى الأصلية حجة مطلقة، بينما تكون حجة الحكم الصادر في رقابة الامتناع نسبية.
6. إن ممارسة رقابة الإلغاء قد تثير حساسية لدى السلطة التشريعية، بينما لا تثير ممارسة رقابة الامتناع مثل تلك الحساسية.
مزايا المعيار الشكلي: يمتاز بالوضوح والتحديد، ويمثل الأساس الذي قامت عليه فكرة جمود الدستور وسموّه على القوانين العادية، لأن وضع الدستور وتعديله يتطلّب شروطاً وإجراءات خاصة تختلف عن القوانين العادية مما يستتبع سموّ قواعد الدستور على التشريعات العادية وعدم استطاعة المشرّع العادي الخروج على نصوص الدستور وأحكامه.
عيوب المعيار الشكلي:
1. إن الأخذ بهذا المعيار يؤدي إلى إنكار وجود دستور في دول الدساتير العرفية غير المدوّنة كبريطانيا.
2. لا يعطي هذا المعيار تعريفاً دقيقاً وشاملاً للقانون الدستوري.
3. يؤدي الأخذ بالمعيار الشكلي إلى إدخال موضوعات غير دستورية في صلب القانون الدستوري، لأن الدساتير قد تتضمّن مسائل غير دستورية ترد في الدستور للتأكيد على أهميتها مثل تحريم إنتاج الخمور في الدستور الأمريكي.
4. هناك مسائل ذات طبيعة دستورية ولها اتصال وثيق بالقانون الدستوري، ولكنها موجودة في قوانين عادية، والأخذ بالمعيار الشكلي يؤدي إلى اعتبار هذه المسائل خارجة عن إطار القانون الدستوري رغم ارتباطها الوثيق بالحياة الدستورية والسياسية، كقوانين الأحزاب وقوانين الانتخابات.
5. يؤدي الأخذ بهذا المعيار إلى إغفال الأعراف والتقاليد الدستورية وإهمال المؤسّسات غير الرسمية وتأثيرها في الحياة السياسية.
القانون الدستوري حسب المعيار الموضوعي:
يأخذ معظم فقهاء القانون الدستوري بالمعيار الموضوعي، لأن موضوع الدولة أحد الموضوعات الأساسية التي يتضمنها القانون الدستوري، والذي يتضمّن القواعد التي تتضمّن طبيعة الدولة – نوعها- ونوع الحكومة فيها، كما تحدّد المبادئ الأساسية التي تنظم السلطات العامة للدولة واختصاصاتها والعلاقات بينها.
--------------------------
المصادر الرسمية للقانون الدستوري: التشريع الدستوري والعرف الدستوري
التشريع الدستوري:
أولاً: الوثيقة الدستورية: المصدر الرئيسي للقواعد الدستورية في دول الدساتير المدوّنة بما تتضمنه من مبادئ وأحكام أساسية تتعلق بتنظيم السلطات العامة، وتوضع الوثيقة من قبل هيئة خاصة يطلق عليها السلطة التأسيسية.
السلطة التأسيسية الأصلية: تقوم بوضع دستور لدولة لا يوجد فيها دستور أصلاً، أو لم يعد فيها دستور، وبالتالي فهي سلطة أصلية لأنها لا تستند في عملها إلى نصوص وأحكام دستور سابق على وجودها وهي تتمتع بصلاحيات مطلقة في هذا المجال.
تظهر الحاجة إلى السلطة التأسيسية في حالتين: الحالة الأولى: قيام دولة جديدة فتقوم هذه السلطة بوضع أول دستور جديد للدولة.
الحالة الثانية: قيام ثورة أو انقلاب في دولة من الدول حيث يتم إلغاء الدستور القائم، ووضع دستور جديد يعبّر عن اتجاه الثورة.
السلطة التأسيسية المنشأة "سلطة التعديل": تستند في إنشائها إلى دستور قائم ونافذ يحدّد كيفية تشكيلها وممارستها لمهمتها، كما تلتزم بالنطاق الذي حدده الدستور وبما نص عليه من إجراءات.
ثانياً: القوانين الأساسية:
مجموعة القوانين التي تصدر عن السلطة التشريعية، وتتعلق بتنظيم السلطات العامة في الدولة واختصاصاتها، أي أنها تتصل بموضوعات دستورية بطبيعتها كقانون الانتخابات.
وتختلف المرتبة التي تحتلها القوانين الأساسية في دول الدساتير المرنة عنها في دول الدساتير الجامدة.
مرتبة القوانين الأساسية في دول الدساتير المرنة:
الدستور المرن هو الدستور الذي يمكن تعديله من قبل السلطة التشريعية نفسها، التي تسنّ القوانين العادية وفق الإجراءات نفسها المتبعة في تعديل القوانين العادية، وقد تتضمن أحكاماً مناقضة لأحكام الوثيقة الدستورية. لذا فإن القوانين الأساسية تحتل في الدول ذات الدساتير المرنة ذات مرتبة الوثيقة الدستورية.
مرتبة القوانين الأساسية في دول الدساتير الجامدة:
يتم تعديل الدستور الجامد وفق شروط وإجراءات خاصة يحددها في أحكامه وتختلف عن إجراءات تعديل القوانين العادية. وبهذا فإن القوانين الأساسية التي تصدر عن السلطة التشريعية لا يجوز أن تتضمن أحكاماً مخالفة للأحكام الواردة في الوثيقة الدستورية. والقاعدة العامة السائدة في دول الدساتير الجامدة، هي أن القوانين الأساسية تحتل نفس مرتبة القوانين العادية.
----------------------
العرف الدستوري:
التمييز بين العرف الدستوري والدستور العرفي:
العرف الدستوري: هو جميع القواعد الدستورية التي نشأت عرفياً عن طريق العادات والسوابق في ظل دستور مكتوب، ثم استقرت في ضمير الجماعة كقواعد ملزمة واجبة الاحترام والتطبيق.. أما الدستور العرفي فهو مجموعة القواعد الدستورية المنظمة للسلطات العامة في الدولة والتي لم تدوّن بعد في وثيقة دستورية رسمية.
تعريف العرف الدستوري: قاعدة مطردة أو عادة معينة درجت عليها الهيئات الحاكمة في الشؤون المتصلة بنظام الحكم في الدولة، بحيث يقوم في ضمير الجماعة الإحساس بوجوب احترام هذه العادة وأنها أصبحت قاعدة قانونية ملزمة.
الركن المادي للعرف الدستوري: ويقصد به السير على نهج معين من قبل إحدى السلطات الحاكمة في الدولة بصفة مطردة وثابتة وواضحة بشأن مسألة دستورية معينة، شريطة التزام جميع السلطات الحاكمة في الدولة بهذا النهج وموافقتها عليه.
ويشترط لتحقق الركن المادي عدة شروط:
1. التكرار: تشترط أغلبية الفقه الدستوري تكرار العادة حتى يتوافر الركن المادي للعرف الدستوري، فيما يذهب آخرون للاكتفاء بحدوث التصرف مرة واحدة.
2. العمومية: يقصد بالعمومية التزام جميع السلطات الحاكمة في الدولة دون اعتراض بالتصرف الصادر عن إحدى السلطات العامة.
3. الوضوح: يجب أن تكون العادة التي درجت عليها السلطة واضحة تماماً، وألا تكون قابلة لعدة تفسيرات وغير مخالفة للدستور.
4. الثبات وعدم الانقطاع: ينبغي أن يتكرر التصرف المكوّن لركن الاعتياد بشكل ثابت ومطرد دون انقطاع.
الركن المعنوي للعرف الدستوري: وهو أن تتوفر صفة الإلزام لهذه العادة، وأن يتولّد لدى الجماعة "السلطة والأفراد" شعور بأن هذه العادة قد أصبحت قاعدة قانونية واجبة الإتباع وملزمة للجميع كبقية القواعد القانونية الأخرى النافذة في الدولة.
أنواع العرف الدستوري:
1. العرف المفسّر: يقتصر دور هذا النوع من العرف الدستوري على تفسير ما قد يكون غامضاً من نصوص الدستور، أي أنه لا ينشئ قاعدة دستورية جديدة، وإنما يتحدد دوره في بيان كيفية تطبيق ما تتضمنه النصوص الدستورية من أحكام.
ويتفق معظم فقهاء القانون الدستوري على إعطاء العرف المفسر القيمة القانونية نفسها التي تحوزها النصوص الدستورية، لأنه يصبح جزءاً من هذه النصوص ما دام لا يتضمن مخالفة لنص دستوري أو ينطوي على تعديل لأحكامه.
2. العرف المكمل: هذا النوع من العرف الدستوري يقوم بإكمال النقص الذي قد يوجد في القواعد الدستورية، وبالتالي فإنه ينشئ أحكاماً دستورية جديدة.. ولتحديد قيمته القانونية يوجد ثلاثة اتجاهات:
1. ذهب الاتجاه الأول إلى إعطائه قوة التشريعات العادية أي أن قيمته القانونية لا ترقى إلى قوة النصوص الدستورية.
2. الاتجاه الثاني يلحق هذا النوع من العرف بالعرف المفسّر، ويرى أنصار هذا الاتجاه أن للعرف المكمل القوة القانونية نفسها التي يحوزها العرف المفسر.
3. الاتجاه الثالث يميز بين حالتين: الأولى حالة اقتصار العرف المكمل على تحديد كيفية تطبيق أحكام الدستور حيث يماثل العرف المفسر ويأخذ أحكامه.. والثانية أن يقوم العرف المكمل بإنشاء قواعد دستورية جديدة لا تستند إلى نصوص الدستور، وهنا يعتبر عرفاً معدلاً ليس له قيمة قانونية.
3. العرف المعدل: يقوم بإجراء تعديل في نصوص الوثيقة الدستورية سواء بإضافة أحكام جديدة إليها أو بحذف بعض أحكامها.. وهو نوعان: العرف المعدل بإضافة والعرف المعدل بالحذف.. وقد اختلف فقهاء القانون حول مشروعيته وتحديد قيمته القانونية إلى ثلاثة آراء:
1. عدم مشروعية العرف المعدل وعدم الإقرار له بأي قيمة قانونية لأنه يعتبر انتهاكاً للدستور.
2. يقرون بمشروعية هذا العرف المعدل على أساس أنه تعبير مباشر عن إرادة الأمة صاحبة السيادة.
3. يفرق الرأي الثالث بين العرف المعدل بالإضافة والعرف المعدل بالحذف، حيث يقر بمشروعية الأول ويعطيه القيمة القانونية نفسها لنصوص الدستور ولا يقر بمشروعية العرف المعدل بالحذف إطلاقاً.
-------------------
أنواع الدساتير
الدساتير المدونة والدساتير غير المدونة:
1.الدساتير المدونة: هي الدساتير التي تصدر جميع قواعدها وأحكامها أو على الأقل غالبيتها في شكل وثيقة أو عدة وثائق رسمية صادرة عن المشرّع الدستوري، إذ ليس من الضروري أن تكون جميع القواعد الدستورية مدونة حتى يكون الدستور مدوناً.
مزايا الدساتير المدونة:
1. وضوح النصوص المكتوبة وتحديد الأحكام التي تتضمنها بدقة، بعكس القوانين العرفية التي يكتنفها الغموض وعدم التحديد.
2. إن الدستور المدون يعتبر تجديداً للعقد الاجتماعي الذي نشأت الجماعة السياسية على أساسه، وتدوينه يعتبر وسيلة لتعميم التربية السياسية.
3. الدستور المدون يتجاوب بسرعة مع المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة.
4. يعتبر الدستور المدون ضمانة هامة ضد الحكم المطلق والاعتداء على حقوق المواطنين وحرياتهم.
عيوب الدساتير المدونة:
1. إن الدستور المدون يعاني من الجمود الذي تعاني منه جميع التشريعات المدونة.
2. ليس صحيحاً أن الدستور المدون يعد ضمانة ضد الحكم المطلق، لأن القواعد الدستورية لا تستمد قوتها الحقيقية من كونها مدونة أو غير مدونة، وإنما من الوعي السياسي للجماعة ومدى تمسكها بالقواعد الدستورية وحمايتها لها.
2. الدساتير غير المدوّنة: ويطلق عليها الدساتير العرفية لأن العرف هو مصدر قواعدها، ويعتبر الدستور البريطاني المثال التقليدي على الدساتير غير المدونة لأنه يستمد غالبية أحكامه من العرف وبعضها من القضاء.
امتيازات الدساتير العرفية:
1. مرونة الدستور العرفي وقابليته للتطور ومسايرة حاجات الحياة وضروراتها المتغيرة.
2. الدستور العرفي وليد المواءمة المستمرة بين الظروف السياسية والتاريخية وبين تطلعات الشعب وآماله.
-------------
الدساتير المرنة والدساتير الجامدة:
الدستور المرن: إمكانية تعديله بالطرق التشريعية وينجم عن ذلك مجموعة نتائج:
1. من الناحية القانونية: تأخذ الدساتير المرنة نفس القيمة القانونية التي تتمتع بها القوانين العادية.
2. تختفي كل تفرقة شكلية بين القواعد الدستورية المرنة والتشريعات العادية ولا يبقى إلا الاختلاف في الناحية الموضوعية فقط.
3. ينتج عن هذا الوضع تمتع السلطة التشريعية باختصاصات وسلطات واسعة في ظل الدستور المرن.
الدستور الجامد: يشترط اجتماع المجلسين التشريعيين في هيئة مؤتمر لإقرار التعديل عند الأخذ بنظام المجلسين، وقد يشترط موافقة أغلبية الشعب على التعديل المقترح عن طريق الاستفتاء الشعبي.
صور الجمود:
1. الجمود المطلق الجزئي أو الحظر الموضوعي: ويقصد به أن ينص الدستور على عدم جواز تعديل بعض مواده إطلاقاً وفي أي وقت من الأوقات.
2. الجمود المطلق المؤقت أو الحظر الزمني: ويعني حظر إجراء أي تعديل في الدستور خلال فترة زمنية معينة.
3. الجمود المطلق الكلي والدائم: وهو حظر إجراء أي تعديل في الدستور بصفة دائمة، ويوجد إجماع فقهي على بطلان هذا النوع من الجمود، وأن النص عليه في الدستور ليس له قيمة قانونية لأن الجمود المطلق الكلي يتنافى من الناحية السياسية مع سنة التطور.
يترتب على جمود الدستور بعض النتائج أبرزها:
1. التمييز بين السلطة التأسيسية والسلطة التشريعية والإقرار بتفوق الأولى على الثانية.
2. السمو الشكلي والموضوعي للدستور الجامد على القوانين العادية، مما يمنحه الاحترام والقداسة لدى الهيئات الحاكمة وأفراد الشعب على حد سواء.
-------------------
مواضيع الدستور ومحتواه:
الدستور يتضمن بشكل عام الموضوعات التالية:
1. الأسس الفلسفية والقانونية التي يقوم عليها الدستور وتدعى المبادئ الأساسية التي تحكم التنظيم الحكومي.
2. القواعد المتعلقة بالتنظيم الحكومي: السلطات العامة في الدولة واختصاصاتها.
أ. قواعد تقيّم مشروعية الحكام.
ب. قواعد تحدد اختصاصات الحكام.
ج. قواعد تبين حدود ممارسة هذه الاختصاصات.
3. الاتجاهات الاجتماعية والاقتصادية للدولة الهدف من إيرادها في الوثيقة الدستورية هو التأكيد على أهميتها.
4. إعلان حقوق الإنسان.
---------------
نشأة الدساتير: هناك نوعان ديمقراطية وغير ديمقراطية
الأساليب غير الديمقراطية لنشأة الدساتير "الملكية":
أ. المنحة: وتعود نشأة الدستور في هذه الحالة إلى الإرادة المنفردة للحاكم وأسلوب المنحة هو الممر الذي عبر عنه النظام الملكي من الملكية المطلقة إلى الملكية المقيدة.
إن صدور الدستور عن طريق المنحة يعتبر من الناحية القانونية وليد إرادة الحاكم المستقلة ما جعل بعض الفقهاء يعطون الحاكم كامل الحق في إلغاء الدستور أو سحبه، بذريعة أن "من يملك المنح يملك المنع" ولكن غالبية فقهاء القانون الدستوري اتجهت إلى القول بعدم أحقية الحاكم في سحب أو إلغاء الدستور الصادر عن طريق المنحة للأسباب التالية:
1. من الناحية التاريخية لم يتم صدور أي دستور بشكل منحة إلا خوفاً من ثورة الشعوب وتمردها.
2. إن إصدار الدستور من جانب الحاكم بطريقة المنحة وتحت ضغط الشعوب هو بمثابة استرداد لحقوق الشعب التي اغتصبها هذا الحاكم بطرق غير مشروعة، ولا يحق للحاكم الرجوع فيما منح لأن ذلك يعدّ اغتصاباً جديداً لهذه الحقوق.
3. إن الإرادة المنفردة تكون مصدراً للالتزامات إذا ما صادفت قبولاً لدى أصحاب الشأن، وهكذا فإن قبول الأمة للدستور المنحة يسلب الحاكم إمكانية سحبه أو إلغائه.
ب. العقد أو التعاقد: ويتم وضع الدستور عن طريق توافق إرادة الحاكم مع إرادة ممثلي الشعب على قبول الوثيقة الدستورية واحترامها، فيكون الدستور ولد نتيجة تلاقي هاتين الإرادتين مما يعني عدم أحقية أي من الطرفين الانفراد بإلغاء الدستور أو سحبه أو تعديله.
ينتقد بعض الفقهاء إطلاق صفة العقد على الدساتير الصادرة بهذا الأسلوب، لأنها من الناحية الواقعية لم تصدر نتيجة رضا وتوافق حقيقي لإرادتين إنما نتيجة ضغوط وثورات شعبية وبذلك يكون اشتراك الحاكم في التعاقد صورياً.
الأساليب الديمقراطية لنشأة الدساتير "السيادة الشعبية": هناك أسلوبان.
1. الجمعية التأسيسية: الدستور هو الذي ينشئ السلطات العامة للدولة بما فيها السلطة التشريعية، لذا لا يجوز أن تقوم هذه السلطة بوضع الدستور لأنها سلطة منشأة، حيث يقوم الشعب بانتخاب هيئة أو جمعية خاصة أعلى من السلطة التشريعية تأخذ السلطة التأسيسية وكالة خاصة من الشعب من أجل القيام بإعداد مشروع الدستور، والجمعية التأسيسية تتمتع بالسلطتين التأسيسية والتشريعية وتكون أقوى من السلطة التنفيذية.
2. الاستفتاء الشعبي الدستوري: ويقسم إلى: الاستفتاء الدستوري، والاستفتاء التشريعي، والاستفتاء السياسي.
الاستفتاء الدستوري: هو أن يعرض مشروع الدستور الذي تم إعداده من قبل لجنة تأسيسية منتخبة من الشعب على الشعب نفسه لمعرفة رأيه، ولا يكتمل وجوده قانوناً ولا يصبح نافذاً إلا بعد موافقة الشعب عليه.
ويفرق الفقه الدستوري بين الاستفتاء الدستوري والتصديق الشعبي: بأن التصديق الشعبي (الاستفتاء السياسي) هو أسلوب تنشأ به الدساتير في ظل أنظمة حكم تسمح للشعب ظاهرياً بالاشتراك في مباشرة السلطة التأسيسية من خلال إجراء استفتاء شعبي على مشروع الدستور، إلا أنها تحول واقعياً دون جعل هذه المشاركة الشعبية جدية.
-----------------------
تعديل الدستور:
السلطة المختصة بالتعديل: إذا كانت السلطة التأسيسية الأصلية هي التي تتولى وضع الدستور، فإن السلطة التأسيسية المنشأة هي المختصة بتعديل الدستور، وقد اختلف الفقهاء بشأن تحديد السلطة التي تملك الحق في تعديل الدستور، حيث ظهرت ثلاثة اتجاهات متباينة:
الاتجاه الأول: اعتبر حق التعديل ملكاً لجميع أفراد الشعب.. وينطلق هذا الاتجاه من فكرة فقهاء القانون الطبيعي القائلة بأن الدستور هو العقد الاجتماعي الذي أبرم بإجماع أعضاء الجماعة وموافقتهم عليه، ولذلك فإن تعديل هذا الدستور لا بد أن يقترن بموافقة مجموع الشعب على أساس أن هذا التعديل هو بمثابة تعديل لشروط العقد الاجتماعي.
الاتجاه الثاني: أعطى هذا الحق لممثلي الشعب.. ويرى أنصار هذا الاتجاه أن صلاحية تعديل الدستور تعود للشعب أو البرلمان لأن الأمة هي صاحبة السيادة ولها حق تعديل الدستور.
الاتجاه الثالث: إن الدستور ذاته هو الذي يحدد السلطة المختصة بتعديله.. وذهب غالبية الفقهاء إلى أن الدستور هو الذي يحدد السلطة المختصة بتعديله، ويعود هذا الرأي إلى الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو.
موقف الأنظمة الدستورية من تحديد السلطة المختصة بتعديل الدستور: توزعت الدساتير في تحديدها للجهة التي تمارس السلطة التأسيسية المنشأة بين ثلاثة اتجاهات: الأول حوّلها للسلطة التشريعية، والثاني أسندها لجمعية تأسيسية منتخبة من قبل الشعب، والثالث يعود بهذه السلطة إلى الشعب ذاته بواسطة الاستفتاء الشعبي.
أ. إسناد السلطة التأسيسية المنشأة للبرلمان: بعض الدساتير تشترط أغلبية خاصة تختلف عن الأغلبية المطلوبة لتعديل التشريعات العادية كالدستور اللبناني لعام 1926.. أو اجتماع البرلمان للتصويت على التعديل كدستور الجمهورية الفرنسية الثالثة عام 1875 .. أو حل البرلمان وانتخاب برلمان جديد كالدستور البلجيكي.
ب. منح السلطة التأسيسية المنشأة لجمعية تأسيسية: يجرى انتخابها من قبل الشعب لتولي مهمة تعديل الدستور كغالبية دساتير دول أمريكا اللاتينية.
ج. إسناد السلطة التأسيسية المنشأة للشعب: مثل دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة، حيث أعطت المادة (89 – 2) منه حق اقتراح التعديل لكل من رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان بمجلسيه ولا يصبح التعديل نافذاً إلا بموافقة الشعب عليه في استفتاء شعبي.
نطاق التعديل:
1. الحظر الموضوعي: تنص بعض الدساتير على تحريم تعديل بعض موادها أو أحكامها تحريماً مطلقاً، بهدف حماية الدعائم الأساسية التي يقوم عليها النظام السياسي كدساتير الكويت والجزائر والمغرب وفرنسا وتركيا واليونان وتونس وإيطاليا والبرازيل.
2. الحظر الزمني: تحظر بعض الدساتير إجراء أي تعديل في أحكامها خلال مدة زمنية محددة، بهدف إضفاء الثبات والاستقرار على نصوص الوثيقة الدستورية، ويجرى النص على هذا الحظر عادة في أعقاب إعلان استقلال الدولة أو عند إقامة نظام سياسي جديد.. ينص الدستور السوري النافذ لعام 1973 على عدم جواز تعديله قبل انقضاء ثمانية عشر شهراً على نفاذه.
3. حظر تعديل الدستور في ظروف معينة: في بعض الدساتير يحظر تعديل الدستور ويكون غير مشروع في الفترات التي تتعرض فيها الدولة لظروف استثنائية كالحرب أو الاحتلال، وعلة هذا الحظر هو أن إرادة الأمة قد تكون مقيدة ولا تستطيع التعبير عن إرادتها.
4. القيمة القانونية للنصوص التي تحظر تعديل الدستور:
1. الاتجاه الأول: يذهب إلى أن جميع النصوص الدستورية التي تحظر تعديل أحكام الدستور بصفة دائمة أو مؤقتة أو أثناء ظروف استثنائية ليس لها أية قيمة قانونية أو سياسية ولا تتمتع بأية قوة إلزامية، لأن هذا يتنافى مع مبدأ سيادة الأمة وحقها في تعديل دستورها متى تشاء.
2. الاتجاه الثاني: يرى أن النصوص الدستورية التي تحظر تعديل بعض أحكام الدستور بصفة دائمة، باطلة ومجردة من كل قيمة قانونية، أما النصوص التي تحظر تعديل الدستور خلال فترة زمنية محددة أو عند تعرض الدولة لظروف استثنائية فإنها مشروعة وتتمتع بالقوة القانونية الملزمة.
3. الاتجاه الثالث: يعتبر أن النصوص الدستورية التي تحظر تعديل الدستور خلال مدة زمنية محددة، أو التي تحظر تعديل بعض أحكامه بصفة دائمة تتمتع كبقية القواعد الدستورية الأخرى بالقوة القانونية الملزمة، إلا أنها قابلة للتعديل.
4. الاتجاه الرابع: يميّز في مشروعية الحظر بين الناحية القانونية والناحية السياسية، فهذا الحظر مشروع من الناحية القانونية وباطل من الناحية السياسية لأنه يتناقض مع مبدأ سيادة الشعب وحقه في تعديل أو إلغاء ما قرّره في أي وقت يشاء.
إجراءات تعديل الدستور:
1. اقتراح التعديل: تتباين الدساتير بشأن الجهة المختصة باقتراح التعديل، فبعضها أعطى حق اقتراح التعديل للسلطة التنفيذية، ومنها من خوّل هذه الصلاحية للسلطة التشريعية، ومنهم من خوّل السلطتين التشريعية والتنفيذية، ومنهم من يمنح الشعب إلى جانب البرلمان حق اقتراح تعديل الدستور.
2. إقرار مبدأ التعديل: تمنح معظم الدساتير البرلمان صلاحية البت فيما إذا كان هناك ضرورة لإجراء تعديل الدستور، كما تشترط بعض الدساتير موافقة الشعب على مبدأ التعديل بالإضافة إلى موافقة البرلمان.
3. إعداد التعديل: تختلف الدساتير في أساليب إعداد التعديل، فبعضها تنص على انتخاب هيئة خاصة مهمتها إعداد اقتراح التعديل، وتسند بعض الدساتير إلى الحكومة مهمة وضع مشروع التعديل وإعداده، فيما غالبية الدساتير تمنح صلاحية إعداد التعديل للبرلمان ضمن شروط معينة منها:
أ. اجتماع مجلسي البرلمان في هيئة مؤتمر لإعداد مشروع التعديل.
ب. اشتراط حضور أغلبية خاصة لصحة انعقاد البرلمان، وأغلبية خاصة لصحة القرار الصادر عنها.
ج. اشتراط حل البرلمان وانتخاب برلمان جديد يتولى مهمة التعديل.
4. إقرار التعديل بصفة نهائية: تضع بعض الدساتير سلطة إقرار التعديل بصفة نهائية بيد الهيئة ذاتها التي قامت بمهمة إعداده، وتعطي بعض الدساتير هذه الصلاحية إلى الشعب عن طريق الاستفتاء الدستوري.
--------------
نهاية الدساتير: يعني الإلغاء الشامل الكلي لجميع نصوصه، وفق أسلوبين:
1. الأسلوب العادي أو القانوني لانتهاء الدساتير: ويقصد به إلغاء الدستور واستبداله بدستور جديد يتلاءم مع التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وهذا الانتهاء القانوني يختلف باختلاف الدستور إذا ما كان عرفياً أو مكتوباً.. فتعديل الدستور العرفي جزئياً أو إلغاؤه كلياً يتم إما عن طريق إنشاء قواعد عرفية جديدة مخالفة للأعراف الدستورية القائمة، أو بإصدار دستور مكتوب يلغي الدستور العرفي ويحل محله.. أما بالنسبة للدساتير المدونة المرنة فيتم تعديلها بالطريقة نفسها والإجراءات التي من خلالها يتم تعديل التشريعات العادية وإلغاؤها. أما بالنسبة للدستور الجامد فلا بد من انتخاب جمعية تأسيسية أصلية لوضع مشروع الدستور الجديد.
2. الأسلوب الثوري أو الفعلي لإنهاء الدساتير: يقصد به إلغاء الدستور وإيقاف العمل به في أعقاب اندلاع ثورة أو وقوع انقلاب، والانقلاب في جوهره هو صراع على السلطة، أما الثورة فهي حركة اجتماعية مفاجئة يقوم بها الشعب بهدف إحداث تغيير جذري في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
أ. الثورة الجزئية والثورة الشاملة: الثورة الجزئية تستهدف تغيير النظام السياسي فقط، والثورة الشاملة تتخطى ذلك إلى إحداث تغيير في النظام الاقتصادي والاجتماعي.
ب. حكومة الثورة أو الحكومة الواقعية: حكومة الثورة يُطلق عليها الحكومة الواقعية لأنها لا تستمد سلطتها من الدستور وإنما من الواقع الذي تمخضت عنه، وتتميّز بخاصتين:
1. أنها حكومة مؤقتة وانتقالية، لأنها تتولى السلطة لترسيخ أقدام الثورة والانتقال بالبلاد إلى النظام الجديد.
2. أنها حكومة تركيز للسلطات لأنها تجمع في يدها السلطتين التشريعية والتنفيذية.
ج. النتائج القانونية للثورة:
1. أثر الثورة على الدستور: انقسم الفقه الدستوري إلى ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: يذهب إلى أن الدستور القائم يسقط بصفة تلقائية فور نجاح الثورة ودون حاجة إلى إصدار أي تشريع خاص ينصّ على هذه الإلغاء، لأن الغاية من الثورة القضاء على نظام الحكم القائم في ظل الدستور القديم.
الاتجاه الثاني: يرى أن نجاح الثورة لا يؤدي إلى سقوط الدستور تلقائياً، إذ قد يكون الهدف من الثورة المحافظة على الدستور وحمايته من عبث الحكام، لذا لا بد من صدور قرار رسمي عن قيادة الثورة أو الحكومة المؤقتة بإلغاء الدستور القديم إذا كانت تريد إلغاءه.
الاتجاه الثالث: يذهب إلى أن سقوط الدستور من عدمه يتوقف على طبيعة الأهداف التي قامت الثورة من أجل تحقيقها.
ولكن إذا سقط الدستور القائم بعد نجاح الثورة.. فهل تسقط جميع نصوصه أم أن هناك نصوصاً لا تسقط بسقوط الثورة؟
يرى الفقه الدستوري أن النصوص الدستورية التي تسقط هي النصوص الموضوعية المتعلقة بنظام الحكم الذي قامت الثورة ضده، أما النصوص المتعلقة بأمور ليس لها صفة دستورية فإنها لا تسقط بسقوط الدستور، وإنما تبقى نافذة كقوانين عادية بعد نزع الصفة الدستورية عنها.. وتسمّى هذه العملية "نظرية سحب الصفة الدستورية" والتي تعرضت لعدة انتقادات:
1. تصعب التفرقة بين النصوص ذات الطبيعة الدستورية وتلك ذات الطبيعة غير الدستورية.
2. إن هذه النظرية لم تميز بين حالة سقوط الدولة بطريقة تلقائية، وحالة الإعلان الصريح عن سقوطها، والحقيقية أن هذا الانتقاد ليس له أية قيمة قانونية.
2. أثر الثورة على النصوص الدستورية الخاصة بحقوق الأفراد وحرياتهم: يذهب معظم الفقهاء إلى أن سقوط الدستور بعد نجاح الثورة لا يؤثر على النصوص المتعلقة بحقوق الأفراد وحرياتهم للأسباب التالية:
1. لقد تمّ تكريس هذه الحقوق والحريات في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهذه الوثائق الدولية هي أسمى من دساتير الدول وقوانينها.
2. إن الحقوق والحريات الفردية تشكل ما يسمّى "الدستور الاجتماعي للأمة" الذي لا يتغيّر بتغير النظام السياسي في الدولة.
3. إن حقوق الأفراد وحرياتهم قد استقرت في الضمير الإنساني وأصبحت أسمى من النصوص الوضعية.
3. أثر الثورة على القوانين العادية: لا يؤثر نجاح الثورة على التشريعات العادية كالقانون المدني والجنائي بحيث تبقى نافذة إلى أن يتم إلغاؤها بالطرق العادية لإلغاء القوانين، ويعود السبب في ذلك إلى أن هذه التشريعات لا تتعلق بالنظام السياسي للدولة.
---------------------------
مبدأ سمو الدستور: يقصد بمبدأ سمو الدستور علو القواعد الدستورية وسيادتها على سائر القواعد القانونية الأخرى في الدولة.
السمو الموضوعي للدستور:
أولاً- مظاهر السمو الموضوعي للدستور: يتجلى السمو الموضوعي في مظهرين:
1. القواعد الدستورية: هي التي تحدّد طبيعة نظام الحكم في الدولة وتنشئ السلطات العامة فيها، بالإضافة إلى تحديد الأساس الفكري والفلسفي الذي ينهض عليه نظام الحكم في الدولة.
2. الدستور: هو الأصل والمصدر لكل نشاط قانوني في الدولة، فهو الذي يضع الإطار القانوني العام لجميع أوجه النشاط القانوني في الدولة، وذلك من خلال الاتجاهات السياسية والاجتماعية التي يجب أن تعمل في نطاقها النشاطات المختلفة في الدولة.
ثانياً- النتائج المترتبة على السمو الموضوعي للدستور:
1. تدعيم مبدأ المشروعية: إن مبدأ سمو الدستور يدعم ويقوي مشروعية خضوع الحكام والمحكومين، لأنه يتطلب خضوع الحكام والمحكومين لقواعده من جهة، وخضوع كافة التشريعات واللوائح والقرارات النافذة في الدولة لأحكامه من جهة أخرى.
2. حظر التفويض في الاختصاص: الدستور يحدد اختصاصات كل سلطة من السلطات العامة والهيئات الحاكمة على وجه التحديد، لذا لا يجوز لأي سلطة أن تتصرف فيما منحها إياه الدستور من اختصاصات بالتفويض إلا إذا تضمن الدستور نصاً صريحاً يجيز هذا التفويض وبغير ذلك يعتبر التفويض خرقاً لأحكام الدستور.
السمو الشكلي للدستور:
أولاً- مفهوم السمو الشكلي: ويقصد به وجوب إتباع إجراءات خاصة أشد وأكثر تعقيداً من الإجراءات المتبعة في تعديل القوانين العادية، وهذا لا يتحقق إلا في ظل الدساتير المدونة الجامدة، باعتبار أن الدساتير العرفية والمدونة المرنة لا تتمتع إلا بالسمو الموضوعي.
ثانياً- النتائج المترتبة على السمو الشكلي للدستور:
1. التفرقة بين القواعد الدستورية والقوانين العادية: القواعد الدستورية "القوانين الأساسية" تعتبر أساس جميع السلطات العامة في الدولة وهي أسمى وأعلى من القوانين العادية.
والاختلاف بين القواعد الدستورية والقوانين العادية هو اختلاف من حيث الموضوع ومن حيث الشكل.
من حيث الموضوع: يحدّد الدستور نظام الحكم في الدولة، وتشكيل السلطات العامة واختصاصاتها، أما القوانين العادية فتعالج موضوعات أقل أهمية كالقانون المدني.
من حيث الشكل: الدستور الجامد لا يعدل إلا وفق إجراءات خاصة تختلف عن الإجراءات التي يتم إتباعها في القوانين العادية.
2. النتائج المترتبة على التفرقة بين القواعد الدستورية والقوانين العادية:
1. الثبات النسبي للقواعد الدستورية قياساً بالقوانين العادية.
2. عدم جواز تعديل القواعد الدستورية أو إلغائها إلا بقواعد دستورية أخرى.
3. عدم جواز تعارض القوانين العادية مع القواعد الدستورية.
-------------------
الرقابة على دستورية القوانين:
أولاً- الرقابة السياسية على دستورية القوانين:
1. معنى الرقابة السياسية: هي رقابة وقائية تتم ممارستها من قبل هيئة سياسية، وتهدف إلى منع صدور القانون المخالف للدستور، فهي سياسية لأنها تعهد عملية الرقابة الدستورية إلى هيئة سياسية، وهي وقائية لأنها تهدف إلى الحيلولة دون إصدار القوانين غير الدستورية، وسابقة لأنها تمارس على القوانين قبل إصدارها.
2. نشوء وتطور الرقابة السياسية وأهم تطبيقاتها: ترجع هذه الفكرة إلى الثورة الفرنسية وقد استمرت فرنسا في تطبيقها حتى الآن.
3. تقدير الرقابة السياسية: تعرضت لعدة انتقادات يمكن إيجازها بما يلي:
أ. يغلب الطابع السياسي على تكوين المجلس الدستوري.
ب. إذا كانت رقابة دستورية القوانين تهدف إلى وضع حدّ للنزوات والأهواء السياسية ومنع السلطة التشريعية من الاستبداد والتسلط، فإن إسناد مهمة الرقابة إلى هيئة ذات طابع سياسي قد يؤدي إلى تسلط واستبداد هذه الهيئة الرقابية.
ج. المجلس الدستوري لا يمارس اختصاصه في الرقابة إلا أذا تحركت تلك الرقابة من بعض الهيئات العامة السياسية مثل رئيس الجمهورية، وهذا يؤدي إلى شل اختصاص المجلس في ممارسة الرقابة في حال تقاعس تلك الهيئات.
د. يؤدي حرمان الأفراد من حق تحريك الرقابة إلى حرمانهم من وسيلة هامة لضمان احترام حقوقهم وحرياتهم الدستورية.
ثانياً- الرقابة القضائية على دستورية القوانين: يقصد بالرقابة القضائية وجود هيئة قضائية تتولى مهمة الرقابة على دستورية القوانين، وهناك أسلوبان لهذه الرقابة:
1. رقابة الإلغاء: يقصد برقابة الإلغاء إقامة دعوى مباشرة أمام القضاء المختص بالرقابة الدستورية ينظر بطلب إلغاء أو بطلان قانون مخالف لأحكام الدستور، وقد تكون رقابة وقائية سابقة أو لاحقة وتسند إلى المحكمة العليا أو لمحكمة دستورية مختصة.
مزاياها: تقوم بتحديد جهة قضائية معينة، ما يحافظ على وحدة النظام القضائي ويحقق الاستقرار في المعاملات القانونية ويمنع تناقض أحكام المحاكم.
عيوبها: يعدّها البعض انتهاكاً لمبدأ فصل السلطات، لأن منح القضاء الحق في إلغاء القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية يشكل خروجاً عن مهمة القضاء وتدخلاً في عمل المشرّع.
2. رقابة الامتناع: يقصد بها امتناع القاضي عن تطبيق القانون غير الدستوري على قضية معروضة أمامه، وهي رقابة لاحقة لدعوى منظورة أمام القضاء.
مزاياها: لا تشكل خرقاً لمبدأ فصل السلطات، تثبت لجميع المحاكم ولا تحتاج لنص دستوري يسمح بها، تمتاز بالبساطة والمرونة، كما يجوز تقديم الدفع في أي وقت.
عيوبها: تعطي الحق لجميع المحاكم في ممارسة الرقابة الدستورية، ما يؤدي إلى صدور أحكام متناقضة ويعقّد النظام القضائي ويخلق حالة فوضى في المعاملات القانونية.
3. رقابة الامتناع المقترنة بالإلغاء: وتجيز الطعن في دستورية القوانين وأمام مختلف المحاكم أثناء نظرها في دعوى مرفوعة أمامها.
مقارنة بين رقابة الإلغاء ورقابة الامتناع:
1. تتم رقابة الإلغاء عن طريق الطعن بالقانون بدعوى مبتدأة يعني أنها وسيلة هجومية، في حين أن رقابة الامتناع وسيلة دفاعية.
2. تختص محكمة واحدة للنظر في دستورية القوانين بطريقة الإلغاء، بينما تختص جميع المحاكم باختلاف أنواعها ودرجاتها بالنظر في رقابة الامتناع.
3. تفترض رقابة الإلغاء نصاً دستورياً ينظمها، بينما لا تحتاج رقابة الامتناع لمثل هذا النص.
4. في رقابة الإلغاء تقضي المحكمة بإلغاء القانون غير الدستوري، أما في رقابة الامتناع فيقتصر حكم المحكمة على الامتناع عن تطبيق ذلك القانون.
5. يكون لحكم الإلغاء في الدعوى الأصلية حجة مطلقة، بينما تكون حجة الحكم الصادر في رقابة الامتناع نسبية.
6. إن ممارسة رقابة الإلغاء قد تثير حساسية لدى السلطة التشريعية، بينما لا تثير ممارسة رقابة الامتناع مثل تلك الحساسية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق